التنشئة المسيحية - الأحد السّابع من العنصرة

الإثنين ١٠ تموز ٢٠١٧

image


                                                             (يوحنا 21: 1-14)


 في هذا الأحد السّابع من زمن الكنيسة الّتي يقودها الرّوح القدس، نتأمّل في رسالتها الّتي يحملها أبناؤها وبناتها ومؤسساتها، سواء في العائلة أم في الحياة العامّة، أم في الكنيسة كهنوتًا وحياة رهبانيّة. يتكلّم الرّب يسوع في إنجيل اليوم عن نهج الرّسالة وهدفها.


في هذا الأحد وهو الثّالث من شهر تمّوز، نحيي عيد القدّيس شربل الّذي "يتلألأ بقداسته كالشّمس في ملكوت الآب" كما نقرأ في إنجيل هذا العيد (متى 13: 36-43).


أوّلاً، شرح نص الإنجيل


من إنجيل القديس (لوقا 10: 1-7)


قالَ لُوقَا البَشِير: عَيَّنَ الرَبُّ اثْنَينِ وَسَبْعِينَ آخَرِين، وَأَرْسَلَهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ أَمَامَ وَجْهِهِ إِلى كُلِّ مَدِينَةٍ وَمَوْضِعٍ كانَ مُزْمِعًا أَنْ يَذْهَبَ إِلَيه. وَقالَ لَهُم: «إِنَّ الحِصَادَ كَثِير، أَمَّا الفَعَلةُ فَقَلِيلُون. أُطْلُبُوا إِذًا مِنْ رَبِّ الحِصَادِ أَنْ يُخْرِجَ فَعَلةً إِلى حِصَادِهِ. إِذْهَبُوا. هَا إِنِّي أُرْسِلُكُم كَالحُمْلانِ بَيْنَ الذِئَاب. لا تَحْمِلُوا كِيسًا، وَلا زَادًا، وَلا حِذَاءً، وَلا تُسَلِّمُوا عَلَى أَحَدٍ في الطَرِيق. وأَيَّ بَيْتٍ دَخَلْتُمُوه، قُولُوا أَوَّلاً: أَلسَلامُ  لِهذَا البَيْت. فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ ابْنُ سَلامٍ فَسَلامُكُم يَسْتَقِرُّ عَلَيه، وَإِلاَّ فَيَرْجِعُ إِلَيْكُم. وَأَقيمُوا في  ذلِكَ البَيْتِ تَأْكُلُونَ وَتَشْرَبُونَ مِمَّا عِنْدَهُم، لأَنَّ الفَاعِلَ يَسْتَحِقُّ أُجْرَتَهُ. وَلا تَنْتَقِلوا مِنْ بَيْتٍ إِلى بَيْت».


     أوّلاً، شرح نص الإنجيل


1. "الإثنان والسّبعون" هم غير جماعة الرّسل الإثني عشر. لكنهم من التلاميذ الّذي عهد إليهم يسوع برسالة إعداد طريقه إلى حيث كان يريد أن يمضي. ينقلون بشارة المسيح. إنّها ترتيبات أساسيّة للكنيسة: الرّسل هم أساقفة العهد الجديد، أعمدة الكنيسة، والإثنان والسّبعون هم المعاونون الأوّلون. سيكون من بينهم كهنة ومسيحيين ملتزمين ورهبان وراهبات.


"أرسلهم اثنين اثنين" ليساند كلّ واحد الآخر بالمشورة والمحبّة، كسبيل للبشارة. ما جعل "الوثنيين ينظرون إلى جماعة الرّسل والتّلاميذ قائلين: انظروا كم يحبّ الواحد منهم الآخر". هذا هو جوهر الحياة المسيحيّة. نفهم أن الآخر ضرورة أساسيّة لي حتّى أعيش المحبّة وأنعم بالمشورة والرأي، من أجل نظرة أوضح، وقرار أفضل.


       2. لم ينتقِ يسوع كل اثنين اثنين، وكأنّهما من طبع واحد وعلى تفاهم، أو أكأنّ كل واحد يختار رفيقه. هي المحبّة تجمع وتكمّل.


       هذا السّير معًا بروح المحبّة وقبول الآخر المختلف ضرورة في حياتنا الإجتماعيّة والوطنيّة، ولبنان معروف بالتعدّديّة الدّينيّة والثّقافيّة في وحدة وطنيّة. فلا بدّ من الخروج من حالات الخصام والإنقسام والتمزّق، بروح الشّركة والمحبّة.


       وهو ضرورة في الحياة الزوجيّة. فلا تبنى العلاقة بين الزوجين على "الغرام" فقط، بل وخاصّة على رابط الحبّ المسيحيّ بينهما؛ ولذلك يأتي العروسان إلى الكنيسة طالبين بركتها وبركة الله عليهما وعلى عائلتهما. الإكليل الكنسيّ يجب أن يكون اعترافًا بأنّ "الغرام" وحده لا يكفي ولا يبني. فالعروسان يأتيان إلى الكنيسة وهما يعيشان الغرام مسبقًا، فماذا يطلبان إذًا من الكنيسة؟ ما الجديد الذي يمكن للسرّ أن يقدّمه لهما؟ هو الحبّ المسيحيّ الذي يقوّي الحبّ الطبيعيّ ويكرّسه ويحميه عبر الزمن. هذا ما قصده بولس الرسول بقوله: "ليخضع بعضكم لبعض بمخافة المسيح" (أف ٥: ٢١). فالمحبّة المسيحيّة هي تضحية متبادلة وخدمة، تقرّب عمل كلّ واحد تجاه الآخر. ما يشدّد عليه بولس الرسول، هو أن هذا الحبّ المسيحيّ، كي يتمكّن من بناء العائلة، لا يمكن أن يعاش من جهة واحدة فقط، بل هو بالضرورة حبّ متبادل: "ليخضع بعضكم لبعض". يمكن للحبّ المسيحيّ أن يعاش من ناحية واحدة مع كلّ الناس، كحبّ مجّانيّ لا يطلب شيئًا بالمقابل، إلاّ في العائلة. ما يميّز العائلة هو هذا التبادل، والعمل المشترك لبناء البيت. بهذه الطريقة، يصبح من الممكن لأي اثنين، متزوجّين، مهما كانا مختلفين في الطباع، أن يعيشا معًا حياةً سعيدةً ومباركةً لا تعرف الإنفصام. وهكذا نفهم كلام المسيح: "ما جمعه الله لا يفرّقه إنسان" (مر ١٠: ٩). لا يمكن أن يقوم الرباط المقدّس إلاّ على "الله"، أي على الحبّ النابع من الله، الحبّ المسيحيّ، وليس فقط الحبّ البشريّ الذي يجمع أي كائنين حيّين، من المؤمنين وغير المؤمنين أيضًا. ان رباط الزواج المسيحيّ، المتّكل على الله، يضمنه الربّ نفسه في استمراريّته. هذا ما يؤكّد عليه صاحبّ المزامير بقوله: "إن لم يبن الربّ البيت، عبثًا يتعب البنّاؤون" (مز ١٢٧: ١).


       وهو ضرورة في  الحياة الكنسيّة:  في الكهنوت، وفي الحياة الرّهبانيّة. فالكهنة يؤلّفون جسمًا كهنوتيًا رأسه الأسقف الأبرشي. والرّهبان والرّاهبات وسائر المكرّسين يؤلّفون جماعات تحت طاعة رئيس. إنّه تنظيم وتراتبيّة من أجل الرّسالة.


 3. "أرسلهم يسوع أمام وجهه إلى كل موضع ومدينة كان مزمعًا أن يذهب إليه"(الآية 1).


"أمام وجهه" تعني أمرين متلازمين: الأوّل هو أن المرسلين يسبقون يسوع، إلى المكان المعيّن، قبل أن يطلّ وجهه على السكّان هناك. وذلك كي يعدّوا له البيئة البشريّة؛ وأنّ وجه الله لا يغيب أبدًا. الله في كلّ مكان. لذلك، من ينطلق في رسالة مع الله، هو يسير دومًا أمام وجهه وتحت نظره الحامي. الله هو من يقود خطى المرسل ويضمن مسيرته. والثّاني هو أنّ الرسول يسير بدون خوف وتردّد، لأنّه يرى وجه الله كلّ حين. بل هو ينطلق، ولا يفكّر بأيّ شيء، ولا حتّى بالنتائج، لأنّه ينطلق من أجل إكرام وجه الله. هو لا ينتظر شيئًا سوى الله. هذا ما نقوله دومًا في لهجاتنا المحكيّة، حين نقول: "عم بعمل هالشيّ لوجه الله الكريم". يؤكّد على ذلك الطّوباوي الأخ اسطفان بقوله: "الله يراني".


نحن أيضًا بحياتنا، يجب أن يكون وجه الله الكريم هو المحرّك الأساسيّ لنا في كلّ تصرّفاتنا؛ لأنّ الله "كريم" وهو يرى تضحياتي، وهو من يكافئني عن كلّ شيء. نميل اليوم إلى حساب نتائج كلّ شيء نقوم به، حسابات نوعًا ما تجاريّة. يجب أن نُدخل في حساباتنا هذه القيمة العظيمة، "الله". من لم يختبر كرم الله في حياته لا يمكنه أن يكون مسيحيًّا حقيقيًّا.


"إلى كل موضع ومدينة" تعني الإنطلاق إلى كل مكان، إلى أربعة أقطار العالم. فيسوع يريد أن "يعرف الجميع الحقيقة وينالوا الخلاص". ولهذا، نؤمن "بكنيسة جامعة رسوليّة".


أهميّة المرسل و دوره الّذي لا غنى عنه يظهران في أنّ يسوع لا يدخل أي موضع لم يسبقه إليه رسوله. إنّه القناة الّتي من خلالها يصل الرّب يسوع إلى كل إنسان. هنا تظهر مسؤوليّتنا نحن المسيحيين في المجتمع والدّولة، في العائلة والكنيسة. نكون مسيحيين بمقدار ما نعكس وجه المسيح، ونعرّف النّاس إليه، بكلامنا وأفعالنا ومبادراتنا ومواقفنا. هذه رسالة نحملها لجميع النّاس، وشهادة نؤدّيها أمام جميع الشّعوب.


      4. حقول الرّسالة الواسعة هذه، يقول عنها الرّب يسوع: "الحصاد كثير، أمّا الفعلة فقليلون" (الآية 2). الحصاد هو على عدد البشر في الأرض. والبشريّة تتزايد بالولادة. وهكذا تتعاظم الحاجة إلى مسيحيين ملتزمين؛ وإلى كهنة يواصلون رسالة المسيح المثلّثة: الكرازة والتّعليم وتّقديس النّفوس بخدمة الأسرار والليتورجيا، وبناء الجماعة المؤمنة برباط المحبّة والحقيقة، جماعة شاهدة؛ وإلى رهبان وراهبات يشهدون لمحبّة المسيح وسط الجماعة بروحانيّة النّذور الرّهبانيّة وأعمالهم.


       والحصاد يعني، في ضوء  مثل الزّارع، نضوج الإنسان بالفضائل الرّوحيّة والأخلاقيّة والإنسانيّة. وهذا حقل واسع للعمل. حبّة القمح الّتي تغلّ ثلاثين وستّين ومئة (راجع مر 4: 2-9)، تشير إلى الغلال – الأشخاص الّذين نكسبهم بالرّسالة لملكوت الله؛ وإلى الغلال – الفضائل المكتسبة والأعمال الصّالحة الّتي يقوم بها الأشخاص.


فبات على الرّسولأن يهتمّ بتمنية كلّ الفضائل في الأشخاص المرسل إليهم: الفضائل المسيحيّة، كالمحبّة والمسامحة والصلاة...، كما وعليه أن ينمي فيهم الفضائل الإنسانيّة، كحبّ الحياة وتطوير الذات والنجاح... فالاهتمام بالإنسان، حتى من الناحية الاجتماعيّة، هو الإعتناء بما خلقه الله. يجب على الإنسان أن لا ينسى أنّه هو أيضًا مجال للرسالة تجاه نفسه. كما أنّ حبّ الحياة والنجاح الصحيح فيها هما شرطان للقداسة. خلقنا الله لنحيا، ولنحيا كما يجب، مستثمرين كلّ الوزنات التي منحنا إيّاها.


الرسالة المسيحيّة تلتزم بالإنسان، كلّ إنسان، وكلّ الإنسان. من هنا نفهم أنّ الأم التي تحسن تربية بنيها على القيم الإنسانيّة والمسيحيّة هي أيضًا رسولة المسيح في بيتها. وربّ العمل، الذي يؤسّس تجارته على الضمير الحقّ، لخيره وخير موظّفيه، كما وخير زبائنه أيضًا، هو رسول في المجتمع وفي عالم الأعمال. هذا ما تشدّد عليه الكنيسة من خلال تعليمها الاجتماعيّ الذي يلقي الضوء على كلّ قطاعات الحياة من سياسيّة واقتصاديّة وتربويّة وغيرها.


أمام هذه الرسالة الضخمة، يتبيّن أنّ الفعلة، مهما كثروا، هم قليلون، أيضًا على المستوى المسيحي والالتزام الاجتماعيّ، الذي هو أصعب من الالتزام الدينيّ. كم نجد أناسًا ملتزمين بالصلاة ولكنّهم يخالفون العدل في أعمالهم. من السهل جدًّا أن يقع الانسان في تجربة عبادة ربّين: الله والمال. نجد صدى لهذه الصراع في بعض الأمثال الشعبيّة: "ساعة إلك وساعة لربّك". أما المطلوب هو أن تكون حياتنا كلّها لله، في كلّ حين وفي كلّ شيء. علينا جميعًا أن نعمل للوصول إلى هذا الوعي وهذه الوحدة المتوازنة في حياتنا، بين كلّ مكوّناتها. وفي هذا المجال، كل إنسان منّا هو رسول ومبشّر وفاعل وحصّاد.


       5. أمام هذا الواقع يدعونا الرّب يسوع "لنطلب من ربّ الحصاد أن يُخرج فعلة لحصاده". ويوضح لنا كم نحن بحاجة إلى "رعاة" لشعب الله؛ يشبّههم هنا بالحصّادين. لطالما صلّت الكنيسة هذه الآية بالذات من أجل الدعوات، الكهنوتيّة والرهبانيّة، الرجاليّة والنسائيّة. أناس يكرّسون حياتهم للخدمة. يقول القدّيس جان ماري فينيه، خوري أرس: "اتركوا رعيّة بلا كاهن عشر سنين، فسيعبد الناس فيها العجل". وما يؤكّد على ذلك ما نسمعه من شعبنا عندما يطالبوننا بكهنة يزورونهم في بيوتهم ويعتنون بهم. هذا دليل على مدى الحاجة الملّحة للدعوات. يكفي أن نتذكّر طلبة الكهنة: أعطنا يا ربّنا كهنة قدّيسين: ليقدّموا الذبيحة، ويقودوا الفتيان نحوك، وينشروا الإنجيل، ويمنحوا الغفران، ويعزّوا الحزانى، ويملّكوا المحبّة، ويباركوا شغلنا...".


أنّ للمؤمنين كافّةً دورًا أساسيًّا في إنجاح هذه الرسالة. وهو أن يصلّوا كي يُرسل الربّ الفعلة الصالحين. أي أن يرغبوا من كلّ قلوبهم بأن يقوم شخص ما بهذه الخدمة من أجلهم. وهذا يفترض بالضرورة إذًا أن يتجاوبوا مع كهنتهم عندما يدعونهم إلى أمر ما، يقودهم إلى خلاص نفوسهم. وأن يحترموهم ويتعاونوا معهم، بل أن يعاونوهم في إتمام هذه الرسالة بكلّ الوسائل المتاحة بين أيديهم.


وندرك من خلال هذه الصلاة، المصدر الإلهيّ للدعوة: الله هو الذي يختار وهو الذي يكرّس وهو الذي يُرسل. وباسم الربّ وبسلطانه يفعل الكهنة كلّ شيء. هذه الحقيقة يجب أن يعيها الكاهن نفسه ويتذكّرها دومًا ليعي قدسيّة المهمّة الموكلة إليه ويقوم بواجباتها على أكمل وجه. كما يجب على المؤمنين أنفسهم أن يعوها فيعطوا الكهنوت والكهنة حقّ قدرهم من الاحترام والتقدير. للأسف نجد في بعض الأحيان، من قبل بعض الكهنة ومن قبل بعض العلمانيّين، أنّهم يحوّلون الخدمة الكهنوتيّة إلى مجرّد خدمة اجتماعيّة، فيتصرّف الكهنة كأنّهم قادة مدنيّون، كما يزجّ العلمانيّ كاهنه في مسائل لا تتعلّق به وبخدمته مباشرةً. علينا جميعًا أن نتذكّر قدسيّة هذه الدرجة وأن نوليها كلّ إكرام.


     6. يذكّرنا الرّب يسوع أننا مرسلون "كخراف بين الذّئاب" (الآية 3)، للدلالة على مصاعب الرّسالة ومحنها: من رفض واعتداء واضطهاد، وعلى موقف وداعة الحمل الّذي لا يرتكب أذى بأحد، ولا يردّ الأذية لأحد، عملاً بقول القدّيس بولس الرّسول: "لا تقاوموا الشّر بالشّر". ذلك ان من يقاوم الشّر بالشّر ينكسر للشرّ.


7. يكشف الرّب يسوع مسؤوليّة الجماعة المسيحيّة عن تأمين حاجات المرسلين:


"لا تحملوا كيسًا ولا زادًا ولا حذاء" (الآية 4). يكون همّ الرّسول القيامة بالرّسالة الموكلة إليه، فالرّب هو ضامن نجاحها وضامن معيشته وحاجته من عنايته الّتي تتجلّى في مبادرات المحسنين... هؤلاء يمدّون يدّ المساعدة الماديّة والمعنويّة للكنيسة ولخدّامها. فهم أيضًا يسمعون صوت الربّ يدعوهم لهذا الكرم خاصّةً من أجل الملكوت. لا يغيبنّ عن فكرنا ما قله يسوع: "كلّ ما فعلتموه مع أحد إخوتيّ هؤلاء الصغار، فمعي فعلتموه" (متى ٢٥). ليس من إخوة أقرب إلى قلب الربّ ممّن كرّس حياته له وللإخوة.


لولا هذه الثقة بالربّ وبعنايته الدائمة، لما وجد إنسان الشجاعة الكافية لتكريس ذاته للخدمة. فالصليب، بدون الربّ ثقيل. ولكن مع يسوع، يخفّ إذ يقول: "نيري هيّن وحملي خفيف" (متى ١١: ٣٠). لطالما اختبرنا، نحن المكرّسين، لا بل جميعنا اختبرنا، كرم الله علينا، خاصّةً عندما نقوم بخدمته وخدمة ملكوته أو نقوم بخدمة إخوتنا هؤلاء الصغار. لا يسمح الربّ لأحد أن يكون أكرم منه. هو من قال لنا صراحةً: "الحقّ أقول لكم: ما من أحد ترك بيتًا أو امرأةً أو إخوةً أو والدين أو بنين من أجل ملكوت الله إلا نال في هذه الدنيا أضعافًا، ونال في الآخرة الحياة الأبديّة" (لو ١٨: ٢٩-٣٠). وكثيرًا ما نسمع من المؤمنين اختباراتهم حول كرم الله وكيف يتدخّل في أمور صغيرة ويفتح للكريم أبوابًا كان يظنّ أنّها مقفلةً. ونذكر كيف كان أهلنا يحيّون كلّ من يقوم بعمل خير، مهما كان صغيرًا أو كبيرًا، بقولهم له: "الله يآجرك". إنّه طلب وتمنّ له بالمكافأة، هو أيضًا إعلان إيمان أن لا بدّ أن الله سوف يكافئ تضحيتك لا محالة. وتأكيدًا على ذلك، فإنّ أجدادنا كانوا يتداعون لعمل الخير بقولهم لبعضهم: "آجرو يا شباب" أي "هلمّوا إلى الأجر الإلهيّ".


على هذه الثقة يجب على كلّ مسيحيّ، مكرّسًا كان أم علمانيًّا، أن يعتمد ليجد الطريق نحو التضحية بسخاء، من أجل الملكوت. فلو ترك الإنسان نفسه للحسابات الأرضيّة، لما قام بأيّ عمل خير. علينا دومًا أن نتأمّل بالأرملة التي أعطت كلّ ما تملك، لعلمها أنّ مع الله لا يضيع أي أجر.


8. الرّسالة لا تتحمّل التأخير والتأجيل: "لا تسلّموا على أحد في الطّريق" (الآية 4)، لأنّها دائمًا فرصة متاحة للتعرّف إلى المسيح، وفقًا لظروف كل إنسان وعمره وحالته. وإنّها رسالة سلام تعني أوّلاً الدّخول في علاقة شخصيّة طبيعيّة مع الّذين نلتقيهم: "قولوا أوّلاً: السلام لهذا البيت" (الآية 5). إنّها علامة سلام ومودّة تولّد الثّقة والتّعلّق بالشّخص وتسهّل السماع والحوار. إنّه الجانب الإنساني الّذي هو أساس كل علاقة وعمل وتعامل. مطلوب منّا أن نكون أوّلاً أصدقاء للآخرين، مثلما جعلنا له الرّب يسوع: "لا أدعوكم بعد عبيدًا، بل أدعوكم أحبّائي..." (يو15: 15 ).


وتتوطّد الصّداقة وروابط المحبّة بين الرّسول وأهل البيت، بمقاسمته الطّعام والشّراب : "أقيموا في ذلك البيت تأكلون وتشربون من عندهم، لأنّ الفاعل يستحقّ أجره" (الآية 7). لقد نظّمت الجماعة المسيحيّة، عبر العصور، كيفيّة تأمين معيشة الكهنة والمرسلين. وكانت العادة أنّ الشّعب يقتطع قسمًا من مواسمه لكاهن الرّعية. وكان يسمّون هذا القسم المقتطع "الخورنيّة".


***

 

ثانيًا، عيد القدّيس شربل

 

       تحتفل الكنيسة في هذا الأحد الثّالث من تمّوز بعيد القدّيس شربل. وتقرأ إنجيل تفسير مثل الزّؤان (راجع متّى 13: 36-43).


كان القدّيس شربل حبّة قمح مسيحيّة ورهبانيّة وكهنوتيّة، زرعها المسيح في حقل العالم والكنيسة. فظلّ حبّة صامدة ووفيرة في ثمرها، من دون أن يتأثّر بزؤان الشّر والخطيئة. فتحلّى بروح الإيمان والصّلاة وبالفضائل الإنسانيّة والأخلاقيّة وهو شاب في بقاعكفرا، وبالفضائل الرّوحيّة والكهنوتيّة بروح التقشّف والإماتات وحرمان الذّات راهبًا في دير مار مارون عنّايا، وأخيرًا حبيسًا في محبسة مار بطرس وبولس، عنّايا. وبعد موته "تلألأ كالشّمس في ملكوت الآب" (متّى 13: 43).


ولد القدّيس شربل في بقاعكفرا في 8 أيّار 1828. هو خامس إخوته. والده أنطوان زعرور مخلوف، والدته بريجيتا عيسى الشّدياق من بشرّي. كان اسمه يوسف. واتّخذ في الرّهبانيّة اسم شربل. توفي أبوه باكرًا إذ كان يوسف في الثّالثة من العمر.


عاش يوسف في بقاعكفرا حياة عمل وصلاة، إذ كان يلجأ إلى مغارة للصلاة، فيما كان يرافق بقرته إلى المرعى. دخل دير سيّدة ميفوق من دون أن يعلم به أحد، سنة 1851، وهو بعمر 23 سنة.


وفي تشرين الثّاني من السّنة نفسها لبس ثوب الإبتداء. كان قصده الإنقطاع المطلق عن العالم، ليكون بكلّيته لله. بسبب حركة بسيطة عفويّة من آنسة أثناء العمل في الأرض، جعلته يرحل خلسة بالليل إلى دير مار مارون عنّايا. فكتب الرّئيس في سجلّ الإبتداء "نّه شلح".


في دير مار مارون عنّايا لقي الجوّ الملائم ليكون بكلّيته لله. وذات يوم أتت أمّه إلى الدّير تبحث عنه لتراه. وإذ ظلّ ثابتًا في قراره المذكور، قال لها من وراء الحائط:


"يا إمّ، إن شاء الله سنلتقي فقط في السّماء، وسيكون لقاؤن إلى الأبد".


في دير القدّيسين قبريانوس ويوستينا (كفيفان) تتلمذ في الفلسفة واللاّهوت على يد راهب، رُفع قدّيسًا على المذابح من بعده، هو  القدّيس نعمة الله كسّاب من حردين – البترون، فكان لقاء القدّيسين.


لم تكن فقط مدرسة لاهوت، بل مدرسة قداسة.فيصحّ القول: "الكلمات تطير والمثل يجتذب". وتعلّم كلمتين من الأب نعمة الله تتردّدان إلى اليوم:


الأولى: "وسط المحن والمصاعب التّي كانت وستبقى، الشّاطر الّذي يخلّص نفسه".


والثّانية: "ان تصبح كاهنًا يعني أن تصبح مثل المسيح؛ ولكي تستطيع ذلك، لا يوجد طريق آخر تسير عليه سوى الجلجلة". وكان الأب شربل يحلم بجلجلة صومعة عنّايا، الّتي كان حبيسًا فيها، في ذلك الوقت، الأب أليشاع كسّاب وهو شقيق الأب نعمة الله.


ارتسم الأب شربل كاهنًا في بكركي في 23 تمّوز 1859. وراح يقطن دير عنّايا مدّة 16 سنة، ثمّ محبسة عنّايا لمدّة 23 سنة، كانت بمثابة صعود نحو القمّة في الحياة منقطعة عن العالم بالكلّية. وراح يسمو بالفضائل والقداسة، متماهيًا مع المسيح.


وسط جماعة دير مار مارون عنّايا، المؤلّفة من 25 راهبًا، كان يلمع بمثله الطّيب، وبخاصّة بنذوره: الطّاعة لله المتجلّية في طاعة كاملة للرئيس ولأي أخ يطلب منه شيئًا. والعفّة وُصفت بأسطورية بسبب ذروتها. والفقر ظهر في لباسه الوحيد صيفًا وشتاءً، وفي أكله من بقايا المائدة. لم يأكل لحمًا وبياضًا طوال حياته، ورفضه حتّى على فراش الموت، وقال: "إنّه زمن الميلاد، والقانون يمنع". لقد جسّد القانون في حياته.


في 15 شباط 1875، بعد أعجوبة قنديل الزّيت الّذي أضاء بالماء، اذن رئيس الدّير للأب شربل دخول محبسة ما بطرس وبولس، بعد وفاة الحبيس الأب إليشاع.

 

***


صلاة

أيّها الرّب يسوع، نسألك النّعمة كي يدرك الجميع، المسيحيون والكهنة والرّهبان والرّاهبات، أنّهم مرسلون منك إلى العالم، بحكم المعموديّة والميرون، ودرجة الكهنوت والأسقفيّة، والنّذور الرّهبانيّة؛ ومرسلون ليعدّوا طريقك ‘لى كل إنسان وشعب وثقافة. ونلتمس منك، بشفاعة القدّيس شربل، أن نتمثّل به، فنحافظ على بهاء حنطة حياتنا المسيحيّة والكهنوتيّة والرّهبانيّة، ونحميها من زؤان الخطيئة والشّر، فنثمر مثله بالأعمال الصّالحة، ونعمل كالخمير في العجين من أجل خلق مجتمع بشري أفضل. ونرفع نشيد المجد والتّسبيح للآب والإبن والرّوح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين.

 

***




PHOTOS: Patrarch Rai_Christian Initiation_Diman_10.7.2017