المواقع السياحية الدينية

مزار سيّدة إيليج – ميفوق

دير سيّدة إيليج
تاريخ المعبد
ربّما كان هناك معبد وثني لإله اللجج والأعماق. وهناك تقليد يقول: إنّ مبنى دير سيّدة إيليج أخذ مكان إحدى محطّات الطريق الروماني، المؤدّي من بعلبك وضفاف العاصي إلى ساحل فينيقيا الشمالي، وإنّ الرسل القدّيسين ساروا على هذه الطريق، خلال تنقّلاتهم بين أنطاكية وشواطىء فلسطين. وإليهم يُنسَب تحويل إيليج إلى بناء مسيحيّ. لكن ذلك يبقى من باب التقليد وليس التاريخ.
أمّا المسعوديّ فيقول: "حين دُمِّر دير مار مارون العاصي، فرّ البطاركة إلى جبال لبنان العصيّة ووديانه الصعبة المسالك، عبر طريق رومانيّة، من اليمّونة إلى يانوح، ومنها إلى وادي إيليج" (التنبيه والإشراق ص. 153).
البطاركة الذين سكنوا في إيليج
1-             بطرس الأوّل
2-             يوحنّا اللحفدي
3-             بطرس الثاني
4-             بطرس الثالث
5-             بطرس الرابع
6-             إرميا العمشيتي
7-             دانيال الشاماتي
8-             يوحنّا بطرس الجاجي
9-             يعقوب الثاني
10-        دانيال الحدشيتي
11-        إرميا من دملصا
12-        جبرايل حجولا
13-        يوحنّا الجاجي الثاني
 
الكتابات المنقوشة على جدران دير سيّدة إيليج
الكتابة الأولى: بحروف سريانيّة، تقول: "بإسم الله الحيّ للدهر في السنة 1588 لليونان (1277 م) كمل بنيان دير والدة الله مريم، لتكن صلاتها معنا على أيدي الرجال الخطأة: القسّ داود وبطرس ويوحنّا". كما نقش الصليب وعلى طرفه الآية السريانيّة: "بك نقهر أعداءنا وباسمك نطأ مبغضينا".
الكتابة الثانية: بحروف سريانيّة، نقلها العلاّمة المطران الدبس: "بإسم الله الحيّ الدائم. في سنة 1746، جدّد بناء هذا الهيكل الأخوان الكاهنان أمون ومينع، وكان قد أنشأه أربعة بطاركة بطرس، إرميا، يعقوب، ويوحنّا سنة 1121".
البطاركة بين إيليج وقنّوبين
عاش البطاركة في إيليج عيشة المتوحّدين، التي تتّصف بحياة البساطة. يمارسون الفقر كأبنائهم الموارنة، يشاركونهم شظف العيش، يتلون الصلوات معًا، راضين بلقمة العيش، رائدهم الوحيد إيماهم وقداستهم.
بعد رحيل الصليبيّين عن بلادنا، تعرّض الموارنة لكافة أنواع الاضطهاد. ففي سنة 1367، في عهد البطريرك جبرايل حجولا، اجتاحت عساكرُ المماليك، بقيادة سلطان مصر شعبان أشرف، أرض لبنان. وهاجموا القرى المسيحيّة وأمعنوا فيها تقتيلاً وتخريبًا. وتوغّلوا في الجبل صاعدين إلى إيليج مقرّ البطريرك، وذبحوا الرهبان وخرّبوا قرية ميفوق، وقتلوا عددًا من أبنائها الموارنة داخل الكنيسة، وقبضوا على البطريرك حجولا، واقتادوه إلى طرابلس حيث أماتوه حرقًا.
وقد جرت مذبحة ثانية في وادي إيليج سنة 1439، بأمر والي طرابلس. فقتل بعضًا من الرهبان وعددًا من الأهالي ونهب وشرّد. عندئذ لجأ البطريرك يوحنّا الجاجي الثاني إلى وادي قنّوبين سنة 1440 وسكن تحت حماية يعقوب مقدّم بشرّي.
سيّدة إيليج بعد أن تركها البطاركة إلى قنّوبين
بعد أن هجر البطاركة دير سيّدة إيليج، تعاقب عليها آل حمادة، وجعلوا منها مركزًا لحكمهم. وفي سنة 1686 دارت حروب بين آل حمادة والدروز قرب الدير. وفي سنة 1766 تسلّمت الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة المعبد والدير من الأمير يوسف شهاب. فرمّمت الرهبانيّة ما انهدم. وجدّدت البناء سنة 1786. ثم عادت وجدّدت بناء معبد سيّدة إيليج خلال سنوات 1945-1950، إبّان رئاسة الأب نعمة الله خوري الكفوني، بعد تبادل رسائل بينه وبين مدير الآثار الأمير موريس شهاب. أصبح دير سيّدة إيليج مصنّفًا من قبل الدولة "مكنًا أثريًّا" إلى جانب شهرته الروحيّة.
مخطوط ربّولا وإيليج
هذا المخطوط السريانيّ الهامّ الذي يعود إلى 586، والذي حمله الرهبان والبطاركة معهم من سوريا الشماليّة، والموجود حاليًّا في المكتبة اللورنسيّة الماديشية في فلورنسا إيطاليا، كان في سيّدة إيليج من القرن الحادي عشر حتى الرابع عشر، إذ إنتقل مع البطريركيّة إلى قنوبين. وخير شاهد على ذلك الكتابات التي تركها البطاركة بخط يدهم على هوامشهم. أهمّيّة هذا المخطوط تكمن في منمنماته الإيقونوغرافيّة الجميلة التي تُعتَبر من أقدم ما لدينا من تراث مسيحيّ سريانيّ إيقونوغرافيّ.
صورة سيّدة إيليج وأيقونوغرافيّتها
لا بدّ لنا من الوقوف أمام صورة سيّدة إيليج الإيقونوغرافيّة، بجمالها الرائع وبما تحمله من تاريخ ومعانٍ، والتي تواصل الخطّ الثقافيّ التاريخيّ الذي نهجه مخطوط ربّولا الذي يعود إلى القرن السادس.
صورة سيّدة إيليج بذاتها تختصر حقبة إيقونوغرافيّة تمتدّ من القرن العاشر حتّى أيّامنا هذه. هذه المرحلة الإيليجيّة تبقى لغزًا بالنسبة إلى بدايتها. والأكيد أنّ صورة سيّدة إيليج أتت من مكان ما في العالم السريانيّ واستقرّت في إيليج. لكن مِن أين أتت وأيَّ طريق سلكت؟
صورة سيّدة إيليج الأصليّة التي حُفِظَت في دير سيّدة ميفوق حتّى الآن هي أصدق شاهد عبر الأجيال لتاريخ إيليج وبطريركيّتها، بما تحمله من حقبات تاريخيّة بين طبقاتها التصويريّة.
الترميم
اتّخذت الرئاسة العامّة للرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة قرارًا بترميم صورة سيّدة إيليج. وقام بهذا العمل المهمّ، أي الترميم، راهبات كرمل الوحدة أم الله في حريصا، بإشراف وعناية حضرة الأب أنطوان لامنس. لمّا بوشر بالدراسات المختبريّة والتصوير بمختلف الأشعة، كانت المفاجأة. فالصورة تحتوي عدّة طبقات تصويريّة متراكمة ترجع أقدمها إلى القرن العاشر.
التصميم الأساسيّ يظهر لنا صورة "العذراء الموجّهة"(Hodigitria)، من النوع السريانيّ العريق بقدمه. هذا النوع الإيقونوغرافيّ للعذراءن بذراعها المباركة يعود إلى الأجيال المسيحيّة الأولى. نجدها في منمنمة البشارة في مخطوط ربّولا وفي المخطوط السريانيّ رقم 33 في المكتبة الوطنيّة في باريس. هذا النوع انتشر في إيطاليا بواسطة الجاليات السريانيّة الهاربة من اضطهادات بلدانها.
من الخصوصيّات السريانيّة في صورة سيّدة إيليج هي الشمس والقمر في زاويتي الصورة العليا، وفتحة المنديل حول رأسها.
أهميّة صورة سيّدة إيليج
سيّدة إيليج تحمل لنا تراثًا وتاريخًا مارونيًّا مسيحيًّا. إذا تأمّلناها نجد أنفسنا أمام وجهٍ أوحى لأبائنا الصلاة والجهاد في الإيمان. أمامها صلّى وتأمّل بطاركتنا القدّيسون وطلبوا شفاعتها في  أحلك ساعات التاريخ المارونيّ واللبنانيّ. لعلّ هذا الوجه يعيد إلينا البسمة في الظروف الحاليّة التي تمرّ بها بلادنا وشعبنا. أليس اكتشاف صورة سيّدة إيليج في هذه اللحظات اللبنانيّة المظلمة علامة رجاء؟
وإيمانًا منّا بما ترمز إليه إيليج وإلى ما لها من معانٍ روحيّة، قامت سنة 1989 في ميفوق نهضة بين أبنائها، برعاية الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّةن هدفها كشفُ ما هو غامض، ونفضُ الغبار عن بعض فترات التاريخ الإيليجيّ، وتمسّك بهذا المقرّ المقدّس كأحد أهمّ الصروح المارونيّة في هذا الشرقن كي تبقى أمّنا العذراء نورنا ونصرنا على الدوام.
يا عذراء علّمينا أن نعرف كيف يجب علينا أن نمجّدك ونمجّد ابنكِ تمجيدًا لائقًا. آمين